أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

299

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الدين ، وإن الوجود ما أخرج بعده له نظيرا . ثم توفي والده وسن الإمام نحو العشرين ، فأقعد مكانه في التدريس حتى طار ذكره في الأقطار ، وشاع اسمه فملأ الديار ، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين ، واضطربت الأحوال فخرج مع المشايخ إلى المعسكر وخرج إلى بغداد ووجد فيه القبول العظيم ثم زمزم له الحادي بذكر زمزم ، وناداه على بعد الديار البيت الحرام فلبى وأحرم ، فتوجه حاجا فجاور بمكة أربع سنين فدرس بها وأفتى ونشر العلم واجتهد في العبادة ثم عاد إلى نيسابور بعد ولاية السلطان الب أرسلان ، وتزين وجه الملك بطلعة نظام الملك ، فاستقرت أمور الفريقين وانقطع التعصب ، فبنيت له المدرسة النظامية بنيسابور ، فأقعد للتدريس بها فدرس قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع ، فسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة ، فظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة والطلبة ، وكان يستفيد من كل أحد وينكر الباطل ولا يحابى فيه أحدا . وكان رقة قلبه بحيث يبكي إذا سمع بيتا أو تفكر في نفسه ساعة ، وإذا شرع في حكاية الأحوال وخاض في علوم الصوفية أبكى الحاضرين ببكائه وزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه في نفسه وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار . ثم أدركه قضاء اللّه فمرض ومات في ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، فقام الصياح في البلد من كل جانب ، ولم تفتح الأبواب في البلد ، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاما بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس الكبار ، وكسر منبره ، وقعد الناس للعزاء عزاء عاما وأكثر الشعراء المراثي فيه ، وكانت الطلبة قريبا من أربعمائة نفر يطوفون في البلد نائحين مكسرين المحابر والأقلام مبالغين في الصياح والجزع . وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة ، وتوفي وهو ابن تسع وخمسين سنة . سقى اللّه روضته بوابل رحمته ، ويزيد في ألطافه وكرامته بفضله ومنته ، انه ولي كل خير .